لماذا تشكّل الأسواق ذات التضخم المنخفض فرصة ذهبية لمتداولي العقود المستقبلية المموَّلين

Low-inflation markets and funded futures trading

نادرًا ما يتصدر انخفاض التضخم المشهد؛ فهو لا يهيمن على الأخبار المالية، ولا يستدعي اجتماعات طارئة لصنّاع السياسات، ولا يؤدي إلى قفزات مفاجئة في أسعار السلع بين ليلة وضحاها. كما لا ينشغل مقدمو البرامج التلفزيونية بتحليل ارتفاع أسعار المستهلكين بنسبة 1.9% بدلًا من 2.1%، فالتضخم المستقر ببساطة لا يثير القدر نفسه من الاهتمام. ولهذا، يغفل كثير من المتداولين عن تقدير ما قد تكون إحدى أكثر بيئات السوق إتاحةً لفرص الربح في التاريخ المالي الحديث.

لكن الواقع يشير إلى أن بعض أقوى الاتجاهات وأطولها استمرارًا في أسواق الأسهم والسندات وعدد من أسواق العقود المستقبلية قد نشأت تحديدًا خلال الفترات التي ظل فيها التضخم منخفضًا. ولعل العقد الذي أعقب الأزمة المالية العالمية خير مثال على ذلك؛ فبين عام 2010 ومطلع عام 2020، بلغ متوسط التضخم في الولايات المتحدة نحو 1.8%، فيما ظلت أسعار الفائدة عند مستويات منخفضة تاريخيًا خلال معظم تلك الفترة. وفي السنوات نفسها، حقق مؤشر S&P 500 عوائد سنوية تجاوزت 13%، وارتفع مؤشر ناسداك 100 بأكثر من 400%، بينما واصلت أرباح الشركات تعافيها بوتيرة مستقرة. ولم تكن تلك المكاسب مدفوعة بالذعر أو الاضطرابات الاقتصادية، بل جاءت في ظل بيئة اتسمت بالاستقرار ووفرة السيولة وتنامي ثقة المستثمرين.

يُعدّ فهم كيفية تأثير انخفاض التضخم في سلوك الأسواق إطارًا عمليًا مهمًا لتحديد العقود التي تستحق المتابعة، وكيفية تعديل التوقعات، ولماذا تبدأ بعض استراتيجيات التداول فجأة في تحقيق أداء متفوق بينما تتراجع استراتيجيات أخرى عن الركب. وبالنسبة إلى المشاركين في برامج التداول المموَّل، مثل المسار الوظيفي للمتداول® والتحدي المكثّف™ من Earn2Trade، قد يشكّل إتقان التداول في هذه الظروف ميزة تنافسية كبيرة. ويوضح هذا المقال بالتحديد أسباب ذلك وكيفية الاستفادة منها.

خصائص فترات التضخم المنخفض وأوجه اختلافها عن فترات التضخم المرتفع

من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعًا النظر إلى التضخم المنخفض على أنه مجرد نقيض للتضخم المرتفع. لكن الواقع أنه يمثل بيئة اقتصادية قائمة بذاتها، لها فرصها ومخاطرها وأنماطها السلوكية الخاصة.

تستهدف معظم الاقتصادات المتقدمة معدل تضخم سنويًا يقارب 2%، ولم يُحدَّد هذا المستوى اعتباطًا. وترى البنوك المركزية عمومًا أن التضخم المعتدل ظاهرة صحية، لأنه يشجع الاستثمار والإنفاق دون أن يؤدي إلى تآكل كبير في القوة الشرائية. وخلال هذه الفترات، تظل الأسعار مستقرة نسبيًا، وتستطيع الشركات توقع تكاليفها بدرجة أكبر من الثقة، كما تقل احتمالية تأجيل الأسر لمشترياتها خشية ارتفاع الأسعار أو انخفاضها بصورة حادة. وبعبارة أخرى، توفر فترات التضخم المنخفض قدرًا أكبر من القدرة على التنبؤ وشعورًا بالاستقرار الاقتصادي.

في المقابل، عندما يصبح التضخم غير قابل للتنبؤ، يضطر المستثمرون إلى تعديل توقعاتهم باستمرار بشأن أسعار الفائدة وأرباح الشركات والطلب الاستهلاكي وتكاليف الاقتراض. وفي الواقع، ما إن يسمع معظم المتداولين عبارة «التضخم المرتفع» حتى تتبادر إلى أذهانهم سلسلة من المشاهد المرتبطة بالأسواق: ارتفاعات حادة في أسعار النفط، واجتماعات لمجلس الاحتياطي الفيدرالي تتسم بتشديد قوي للسياسة النقدية، وتقلبات في عوائد سندات الخزانة، وعناوين مثيرة تتنبأ إما بالركود أو بفرط النشاط الاقتصادي.

يميل التضخم إلى الاستحواذ على الاهتمام لأنه يدفع الأسواق إلى التفاعل. فعلى سبيل المثال، قد يكون تقرير واحد لمؤشر أسعار المستهلك (CPI) كفيلًا بمحو مليارات الدولارات من القيمة السوقية، أو بإشعال واحدة من أقوى موجات الصعود خلال العام. وفي مثل هذه الفترات، تصبح التقلبات واضحة إلى حد يصعب تجاهله.

لكن استقرار التضخم يبدد جانبًا كبيرًا من حالة عدم اليقين. وبالنسبة إلى متداولي العقود المستقبلية، يترك هذا التحول في بؤرة الاهتمام آثارًا عميقة؛ فبدلًا من أن يحدد كل تقرير لمؤشر أسعار المستهلك (CPI) اتجاه السوق، تبدأ عوامل أخرى في ممارسة تأثير أكبر. وتكتسب أرباح الشركات أهمية أكبر بالنسبة إلى العقود المستقبلية لمؤشرات الأسهم، فيما تحظى اتجاهات سوق العمل وبيانات الإنتاجية بمتابعة أدق. كما تميل عوائد سندات الخزانة إلى التفاعل بصورة أكثر تدرجًا مع تطورات الاقتصاد الكلي، نظرًا إلى استقرار توقعات التضخم، بينما تصبح أسعار السلع أكثر ارتباطًا بأساسيات العرض والطلب بدلًا من المخاوف العامة بشأن التضخم.

لهذا السبب، غالبًا ما يصف متداولو الاقتصاد الكلي ذوو الخبرة التضخم بأنه «نظام سوقي»، إذ يؤثر بصورة أساسية في سلوك جميع فئات الأصول تقريبًا. فضلًا عن ذلك، غالبًا ما تزداد قوة الارتباطات بين الأسواق خلال فترات التضخم المرتفع، مع استجابة المشاركين في السوق للعامل المهيمن نفسه على صعيد الاقتصاد الكلي.

قد يؤدي ارتفاع التضخم، في الوقت نفسه، إلى الضغط على السندات، ودعم أسعار السلع، وإضعاف أسهم النمو، وتعزيز بعض العملات.

أما انخفاض التضخم، فيُضعف هذه الارتباطات، فتبدأ الأسواق المختلفة في التحرك وفقًا لعواملها الأساسية الخاصة، بدلًا من التحرك في الاتجاه نفسه استجابةً لتوقعات التضخم. ويتيح ذلك فرصًا للمتداولين المستعدين لدراسة قطاعات بعينها، بدلًا من الاعتماد حصرًا على التوجهات العامة للاقتصاد الكلي.

Earn2Trade

لماذا تتغير نفسية السوق عند انخفاض التضخم؟

الأسواق أنظمة اجتماعية تحركها التوقعات والمشاعر والسلوك الجماعي. وعندما يظل التضخم مستقرًا لفترات طويلة، يزداد تقبّل المستثمرين للمخاطر تدريجيًا. ولا يحدث هذا التحول بين ليلة وضحاها، بل تتعزز الثقة ببطء مع استمرار الشركات في تحقيق الأرباح، وبقاء سوق العمل في وضع جيد، وابتعاد البنوك المركزية عن التدخلات الحادة.

قد يطال هذا التحول النفسي الجميع، بدءًا من مديري صناديق التقاعد الذين يشرفون على أصول بمليارات الدولارات، وصولًا إلى متداولي العقود المستقبلية الأفراد الذين يديرون حسابات مموَّلة من مكاتبهم المنزلية.

خلال هذه الفترات، تنخفض التقلبات، وتتنامى الثقة، وغالبًا ما تتراجع علاوات المخاطر. وتبدأ رؤوس الأموال بالتدفق نحو الأصول ذات العوائد المتوقعة الأعلى، إذ يرى المستثمرون أن المخاطر المرتبطة بالاقتصاد الكلي قد تراجعت.

وهذا يفسر الأداء القوي الذي حققته أسواق الأسهم تاريخيًا خلال العديد من فترات التضخم المنخفض. فعندما تظل تكاليف الاقتراض منخفضة نسبيًا ويبقى التضخم تحت السيطرة، ترتفع القيمة الحالية لأرباح الشركات المستقبلية. وغالبًا ما تستفيد شركات النمو، ولا سيما في قطاع التكنولوجيا، مع استعداد المستثمرين لدفع مضاعفات تقييم أعلى مقابل الأرباح المستقبلية.

ومن الأمثلة التي تؤكد ذلك الأداء اللافت لأسهم التكنولوجيا خلال معظم سنوات العقد الثاني من الألفية. فقد أسهم انخفاض التضخم والسياسة النقدية التيسيرية ووفرة السيولة في تهيئة بيئة أعطى فيها المستثمرون الأولوية للنمو على حساب التدفقات النقدية الفورية. وأصبحت العقود المستقبلية لمؤشر ناسداك من بين العقود المستقبلية الأفضل أداءً خلال ذلك العقد، إذ شهدت اتجاهات ممتدة بدلًا من موجات تقلب حادة وقصيرة الأجل.

الفخاخ النفسية خلال فترات التضخم المنخفض

للوهلة الأولى، تبدو الأسواق في فترات التضخم المنخفض وكأنها توفر ظروفًا مثالية تقريبًا للمتداولين المموَّلين أو المشاركين في برامج التداول المموَّل، مثل المسار الوظيفي للمتداول® والتحدي المكثّف™ من Earn2Trade. فعادةً ما تكون تحركات الأسعار أقل حدة، وتقل المفاجآت التي تحدث بين جلسات التداول، فيما تميل سياسات البنوك المركزية إلى أن تكون أكثر قابلية للتنبؤ.

فكّر في الأمر: إذا كانت التقلبات المفرطة أحد أبرز أسباب إخفاق المتداولين، فمن المنطقي أن تؤدي الأسواق الأكثر هدوءًا إلى تحسين أدائهم. لكن ما يحدث على أرض الواقع غالبًا ما يكون عكس ذلك. فكلما طال أمد هدوء الأسواق، ازداد اعتقاد المتداولين بأن هذا الهدوء سيستمر إلى أجل غير مسمى، إلا أن التاريخ أثبت مرارًا خلاف ذلك.

قبل الأزمة المالية العالمية عام 2008، كثيرًا ما أطلق الاقتصاديون على العقود التي سبقتها اسم «الاعتدال الكبير»، إذ بدا التضخم والتقلب الاقتصادي مستقرَّين على نحو غير معتاد. وسادت الثقة على نطاق واسع، وتراجعت معايير إدارة المخاطر تدريجيًا، وبدأ المستثمرون يفترضون أن البنوك المركزية نجحت فعليًا في القضاء على الدورات الاقتصادية الكبرى، إلى أن جاء انهيار النظام المالي العالمي ليذكّر الجميع بأن الاستقرار لا يعني الدوام.

صحيح أن بعضًا من أفضل فرص التداول قد تظهر خلال فترات التضخم المنخفض، إلا أن العديد من المتداولين المموَّلين يواجهون في الواقع صعوبات أكبر مقارنةً بفترات الاضطراب في بيئة الاقتصاد الكلي. ولا تكمن المشكلة في هيكل السوق بقدر ما ترتبط بالعوامل النفسية للمتداولين.

تكتسب هذه النقطة أهمية خاصة للمتداولين المموَّلين. فلا ينبغي الخلط بين هدوء الأسواق وانخفاض المخاطر، كما أن غياب العناوين الإخبارية المثيرة لا يعني زوال المخاطر، بل غالبًا ما يجعلها أقل وضوحًا.

الأهم هنا أن تتذكر أن لكل سوق إيقاعه الخاص، ونادرًا ما يعطي إشارات واضحة قبل تغيّر ظروفه. ولهذا، تظل الإدارة المنضبطة للمخاطر ضرورة أساسية حتى خلال الفترات التي تبدو فيها الأسواق هادئة ومستقرة.

لماذا تزدهر بعض أسواق العقود المستقبلية خلال فترات التضخم المنخفض؟

لا تستجيب جميع العقود المستقبلية لانخفاض التضخم بالطريقة نفسها؛ فبعضها يزدهر عندما يظل التضخم منخفضًا، بينما يفقد بعضها الآخر أحد أبرز العوامل المحفزة لحركته. ويساعد إدراك هذه الاختلافات المتداولين المموَّلين على توجيه اهتمامهم بكفاءة أكبر، بدلًا من التعامل مع جميع الأسواق كما لو كانت تتحرك بالطريقة نفسها.

غالبًا ما تكون العقود المستقبلية لمؤشرات الأسهم من أبرز المستفيدين من فترات التضخم المنخفض. فقد حققت عقود مثل E-mini S&P 500 (ES) وNasdaq-100 (NQ) وRussell 2000 (RTY) أداءً قويًا تاريخيًا خلال الفترات الممتدة التي اتسمت باستقرار التضخم، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى عمل الشركات في بيئة أكثر قابلية للتنبؤ. فضلًا عن ذلك، يقلل انخفاض التضخم حالة عدم اليقين بشأن تكاليف المدخلات، فيما تعزز أسعار الفائدة المعتدلة القيمة الحالية للأرباح المستقبلية. كما يزداد إقبال المستثمرين على امتلاك أسهم شركات النمو، وتتدفق رؤوس الأموال المؤسسية باطراد إلى أسواق الأسهم.

يجسّد السوق الصاعد الذي أعقب عام 2009 ذلك بوضوح. فقد شهد السوق تراجعات دورية، لكنها غالبًا ما أعقبتها موجات تعافٍ منتظمة مع استمرار المستثمرين في الشراء في ظل بيئة داعمة على صعيد الاقتصاد الكلي. وبالنسبة إلى متداولي العقود المستقبلية، كانت هذه الظروف أكثر ملاءمة لاستراتيجيات تتبّع الاتجاه، والدخول عند التراجعات السعرية، والإدارة المنضبطة للمراكز، بدلًا من المضاربة المستمرة قصيرة الأجل.

قد تسلك العقود المستقبلية لسندات الخزانة أيضًا سلوكًا مختلفًا في بيئات التضخم المنخفض. فمع استقرار توقعات التضخم، غالبًا ما تتحرك عوائد السندات طويلة الأجل ضمن نطاقات أضيق، ما لم يتسارع النمو الاقتصادي على نحو غير متوقع. وقد تشهد عقود مثل سندات الخزانة لأجل 10 سنوات (ZN) وسندات الخزانة لأجل 30 عامًا (ZB) تحركات أقل حدة مقارنةً بفترات تصاعد المخاوف من التضخم، لكنها غالبًا ما تكوّن اتجاهات أكثر وضوحًا تحركها التغيرات في توقعات السياسة النقدية بدلًا من حالة الذعر في الأسواق.

أما العقود المستقبلية للسلع، فغالبًا ما تسلك مسارًا مختلفًا، وهو ما سنتناوله في القسم التالي.

لا تستجيب جميع العقود المستقبلية بالطريقة نفسها

عندما يظل التضخم منخفضًا، غالبًا ما تفقد مؤشرات السلع العامة أحد أقوى العوامل المحفزة لها على صعيد الاقتصاد الكلي، فيما تصبح العقود المستقبلية للمعادن الصناعية والمنتجات الزراعية والطاقة أكثر تأثرًا بأساسيات العرض والطلب الخاصة بكل سوق، بدلًا من توقعات التضخم العامة.

خذ النفط الخام مثالًا على ذلك. لا شك أن أسعار النفط تؤثر في التضخم، لكن التضخم ليس العامل الوحيد الذي يحركها. فخلال فترات الاستقرار الاقتصادي، غالبًا ما يكون لقرارات الإنتاج الصادرة عن أوبك، والتوترات الجيوسياسية، والطاقة التكريرية للمصافي، والطلب العالمي على النقل، وأنماط الاستهلاك الموسمية، وتقارير المخزونات تأثير أكبر في أسعار النفط من التضخم نفسه.

ويمثل الذهب حالة أخرى لافتة؛ إذ يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره أداة للتحوط من التضخم، ولذلك قد تؤدي فترات التضخم المنخفض الممتدة إلى تراجع أحد أبرز دوافع المستثمرين للاحتفاظ به. ولا يعني ذلك بالضرورة ضعف أداء الذهب، بل إن عوامل أخرى، مثل أسعار الفائدة الحقيقية، ومشتريات البنوك المركزية، وتحركات العملات، وحالة عدم اليقين الجيوسياسي، غالبًا ما تصبح أكثر تأثيرًا من توقعات التضخم وحدها.

عندما تضيق فروق معدلات التضخم بين الاقتصادات الكبرى، غالبًا ما تتحول أنظار أسواق العملات الأجنبية نحو الفروق في معدلات النمو الاقتصادي والإنتاجية واتجاهات التوظيف، فضلًا عن التباين في السياسات النقدية. ويتيح ذلك فرصًا للمتداولين الذين يتابعون تطورات الاقتصاد الكلي العالمي، بدلًا من التركيز حصرًا على بيانات التضخم المحلية.

لذا، تتمثل الخلاصة المهمة هنا في أن انخفاض التضخم لا يقضي على الفرص، بل يعيد توزيعها بين الأسواق.

لماذا يتمتع متداولو الاتجاه غالبًا بميزة خلال فترات التضخم المنخفض؟

يتوقع كثير من المتداولين، دون وعي، أن تبدأ الاتجاهات باختراقات سعرية حادة وأحجام تداول مرتفعة بصورة استثنائية. ورغم أن ذلك يحدث بالفعل خلال فترات ارتفاع التضخم أو تصاعد حالة عدم اليقين الجيوسياسي، فإن الأسواق في فترات التضخم المنخفض غالبًا ما تتحرك بوتيرة أكثر هدوءًا. وفي الواقع، من أبرز سمات فترات التضخم المنخفض الممتدة أن الاتجاهات تميل إلى التشكل تدريجيًا بدلًا من الانطلاق بحركات حادة ومفاجئة.

قد يبدأ الاتجاه دون أن يكاد يلفت الانتباه، مع تسجيل السوق سلسلة متتابعة من القمم والقيعان الصاعدة. وقد تظل التراجعات السعرية محدودة نسبيًا، فيما تنخفض التقلبات ويكتسب الزخم قوة تدريجيًا.

تمثل هذه الظروف بيئة مثالية لاستراتيجيات تتبّع الاتجاه التي خضعت لاختبارات تاريخية دقيقة، والتي حققت أداءً قويًا عبر التاريخ خلال فترات التضخم المنخفض الممتدة. فالأسواق التي تدعمها سياسات نقدية مستقرة غالبًا ما تشهد اتجاهات سعرية منتظمة تستمر لأشهر بدلًا من أيام.

يقدّم السوق الصاعد الذي أعقب الأزمة المالية العالمية مثالًا واضحًا على ذلك، حيث لم يصعد مؤشرا S&P 500 وناسداك في خط مستقيم، بل أتاحا مرارًا فرصًا مجزية للمتداولين الذين اشتروا عند التراجعات السعرية، بدلًا من محاولة التنبؤ بكل انعكاس قصير الأجل.

باختصار، نظرًا لكون فترات انخفاض التقلبات تُبطئ تشكّل الاتجاهات، فإن ذلك يتيح للمتداولين فرصًا أكبر للدخول في هذه الاتجاهات. وبدلًا من ملاحقة الاختراقات السعرية الحادة، يمكنهم الانتظار حتى تتراجع الأسعار نحو المتوسطات المتحركة، أو مستويات المقاومة السابقة، أو مناطق الطلب المؤسسي.

لكن هذا النهج يشكّل تحديًا نفسيًا لكثير من المتداولين. فقد اعتادوا، بتأثير وسائل التواصل الاجتماعي، انتظار نتائج فورية وتوقّع أن تحقق كل صفقة أرباحًا كبيرة في غضون دقائق أو ساعات. وعندما تتحرك الأسواق بوتيرة أكثر تدرجًا، يبدأون في التشكيك في مراكز سليمة تمامًا.

ينطبق ذلك بدرجة كبيرة أيضًا على المتداولين المموَّلين أو المشاركين في برامج التداول المموَّل، مثل المسار الوظيفي للمتداول® والتحدي المكثّف™، فالمتداولون الذين يتدخلون باستمرار في المراكز الرابحة غالبًا ما يقوّضون استراتيجياتهم التي خضعت لاختبارات تاريخية دقيقة؛ وبدلًا من منح الاتجاهات الوقت الكافي لتتطور بصورة طبيعية، يكتفون مرارًا بأرباح محدودة، بينما يعرّضون أنفسهم لخسائر كاملة الحجم.

لكن الحقيقة هي أن تحقيق الربحية على المدى الطويل لا يعتمد على تحديد نقاط دخول جيدة فحسب، بل يتطلب أيضًا منح ظروف السوق المواتية الوقت الكافي لمكافأة الالتزام المنضبط بالاستراتيجية. وغالبًا ما توفر فترات التضخم المنخفض هذه الظروف تحديدًا. ويبقى السؤال: هل ستمنحها الوقت الكافي لتؤتي ثمارها؟

قد يكون تقليل وتيرة التداول مع زيادة الثقة في الصفقات أمرًا بالغ الأهمية

رغم أن المتداولين غالبًا ما يربطون انخفاض التضخم ببطء حركة الأسواق، فإن ما يتغير فعليًا هو طبيعة الفرص المتاحة. فتقل التحركات الحادة التي تحدث خلال يوم واحد، بينما تصبح الاتجاهات الأطول أمدًا أكثر موثوقية في كثير من الأحيان. وبدلًا من التفاعل مع كل عنوان اقتصادي، يبدأ المستثمرون المؤسسيون في تخصيص رؤوس أموالهم استنادًا إلى توجهات أوسع، مثل نمو الأرباح، والابتكار التكنولوجي، وتحسن الإنتاجية، والتقييمات النسبية.

ولهذا، بدلًا من البحث باستمرار عن أكبر تحرك سعري خلال اليوم، يجدر بالمتداولين المموَّلين التركيز على الأسواق التي تستقطب رؤوس الأموال المؤسسية تدريجيًا، ومنح اتجاهاتها الوقت الكافي للتطور. ويعني ذلك عادةً تقليل وتيرة التداول، مع اختيار الصفقات بدرجة أكبر من الثقة.

لكن تقليل وتيرة التداول ربما يكون من أكثر الاستراتيجيات التي لا تحظى بالتقدير الكافي خلال فترات التضخم المنخفض، إذ قد يبدو ذلك مخالفًا للمنطق، لا سيما بالنسبة إلى المشاركين في برامج التداول المموَّل، حيث تدفع أهداف الربح بطبيعتها إلى الرغبة في التداول بوتيرة متكررة. إلا أن المتداولين المحترفين يدركون أن فرص التداول لا تتوزع بالتساوي؛ فبعض الأسابيع تزخر بفرص تداول عالية الجودة، بينما لا يتيح بعضها الآخر سوى فرص قليلة جدًا، إن وُجدت أصلًا.

اعتبارات أخرى يجب أخذها في الحسبان

ويستحق التداول عند التراجعات السعرية اهتمامًا أيضًا. ونظرًا إلى أن التقلبات تميل إلى البقاء ضمن نطاقات محدودة نسبيًا، فغالبًا ما تكون التصحيحات أقل عمقًا وأكثر انتظامًا مقارنةً بفترات التضخم المرتفع. وبدلًا من التحركات الحادة التي يقودها الذعر، تتراجع الأسعار في كثير من الأحيان تدريجيًا نحو المتوسطات المتحركة الرئيسية أو مستويات الدعم السابقة، قبل أن تستأنف اتجاهها العام. وغالبًا ما يتمكن المتداولون الذين ينتظرون هذه الفرص بدلًا من ملاحقة الزخم من الدخول عند مستويات سعرية أفضل، مع إمكانية وضع أوامر إيقاف الخسارة على مسافات أقصر.

ويصبح تحليل القوة النسبية أداة قيّمة أخرى. فعندما يتراجع التضخم عن صدارة اهتمامات الأسواق، تبدأ تدفقات رؤوس الأموال في إظهار الفارق بين القطاعات الرابحة والخاسرة بوضوح أكبر؛ إذ تستقطب بعض القطاعات عمليات شراء مؤسسية مستمرة، بينما يسجل بعضها الآخر أداءً أضعف بهدوء. وفي هذا السياق، بدلًا من التساؤل عما إذا كان السوق ككل يتجه صعودًا، يطرح المتداولون ذوو الخبرة سؤالًا مختلفًا: إلى أين تتدفق رؤوس الأموال المؤسسية؟

بالنسبة إلى متداولي مؤشرات الأسهم، قد يعني ذلك مقارنة أداء Nasdaq بأداء Russell 2000 أو متابعة أداء القطاعات المختلفة. أما متداولو السلع، فقد يبحثون عن العقود المستقبلية للمنتجات الزراعية التي تكتسب قوة بمعزل عن الاتجاه العام لأسواق السلع. ولا يضمن تحليل القوة النسبية النجاح، لكنه غالبًا ما يساعد على تحديد الأسواق التي تتبلور فيها الفرص ذات الاحتمالات الأعلى.

المؤشرات الاقتصادية التي ينبغي لكل متداول مموَّل متابعتها

من مزايا التداول خلال فترات التضخم المنخفض أن حركة الأسواق غالبًا ما تصبح أكثر قابلية للتنبؤ. لكن ذلك لا يعني أن بإمكان المتداولين تجاهل البيانات الاقتصادية. بل تزداد أهمية فهم الصورة الأوسع للاقتصاد الكلي، إذ قد تشير تغيرات طفيفة إلى اقتراب الانتقال إلى نظام سوقي مختلف تمامًا.

على سبيل المثال، نادرًا ما يتابع متداولو الاقتصاد الكلي المحترفون مؤشرًا واحدًا بمعزل عن غيره. وبدلًا من ذلك، يجمعون بين مجموعة مترابطة من البيانات، تشمل بيانات التضخم، وتوقعات أسعار الفائدة، وقوة سوق العمل، والأوضاع المالية، لتكوين رؤية أوضح حول الاتجاه الذي يسلكه الاقتصاد، لا مجرد معرفة ما شهده في الماضي.

بالنسبة إلى المتداولين المموَّلين، يمكن أن يوفر اتباع نهج مماثل سياقًا مهمًا قبل الدخول في أي مركز. وفيما يلي بعض المؤشرات والأدوات التي يمكن الاستعانة بها لمتابعة التضخم:

مؤشرات الأسعار

يظل مؤشر أسعار المستهلك (CPI) من أكثر التقارير الاقتصادية متابعةً، حتى خلال الفترات التي يبدو فيها التضخم مستقرًا. وتركز الأسواق بدرجة أقل على الرقم المطلق للمؤشر، وبدرجة أكبر على ما إذا كان التضخم يتسارع أو يتباطأ مقارنةً بالتوقعات.

على سبيل المثال، قد تؤدي قراءة لمؤشر أسعار المستهلك (CPI) تفوق التوقعات بشكل ملحوظ بعد أشهر من انخفاض التضخم إلى تغيير توقعات أسعار الفائدة سريعًا، وإثارة موجة من التقلبات في مؤشرات الأسهم والسندات والعملات والسلع.

ويستحق مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE) المتابعة أيضًا. فرغم أن مؤشر أسعار المستهلك (CPI) يحظى بتغطية إعلامية أوسع، يولي الاحتياطي الفيدرالي اهتمامًا أكبر لمؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي (Core PCE) عند تقييم اتجاهات التضخم. وقد يفوّت المتداولون الذين يتجاهلون هذا المؤشر عنصرًا مهمًا لفهم توجهات السياسة النقدية.

عوائد السندات ومعدلات التضخم والعقود المستقبلية

يُعد عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات مقياسًا لحظيًا لتوقعات المستثمرين بشأن النمو والتضخم. وقد يشير ارتفاع العوائد في بيئة منخفضة التضخم إلى تحسن النشاط الاقتصادي أو تنامي المخاوف من عودة التضخم إلى التسارع، بينما قد يعكس انخفاضها تباطؤ النمو أو تزايد الإقبال على الأصول الآمنة.

وتوفر معدلات التضخم التعادلية، مثل معدل التضخم التعادلي لأجل 10 سنوات، والمستمد من سندات الخزانة المحمية من التضخم (TIPS)، مقياسًا أكثر مباشرة لتوقعات التضخم التي تعكسها أسعار السوق. ويتابع العديد من المتداولين المؤسسيين هذه المعدلات يوميًا، لأنها تعكس متوسط التضخم الذي يتوقع المستثمرون، بصورة جماعية، تسجيله خلال السنوات العشر المقبلة.

ومن الأدوات المفيدة الأخرى التي تستحق مكانًا في قائمة متابعة كل متداول مموَّل العقود المستقبلية للأموال الفيدرالية (Federal Funds Futures). إذ تكشف هذه العقود عن توقعات السوق بشأن قرارات الاحتياطي الفيدرالي المتعلقة بأسعار الفائدة خلال اجتماعاته المقبلة. ونظرًا إلى تأثير السياسة النقدية في جميع أسواق العقود المستقبلية تقريبًا، يساعد فهم هذه التوقعات على تكوين رؤية أشمل عند تفسير تحركات الأسعار.

مؤشرات التقلب ومتابعة منحنى العائد

غالبًا ما يظل مؤشر VIX، الذي يُشار إليه باسم «مؤشر الخوف» في وول ستريت، عند مستويات منخفضة خلال فترات التضخم المنخفض. لكن استمرار التقلبات عند مستويات متدنية للغاية لفترات طويلة قد يسبق أحيانًا تحركات كبيرة في إعادة تسعير الأصول بالأسواق. وبالمثل، يمكن لمؤشر MOVE، الذي يقيس التقلبات المتوقعة في سوق سندات الخزانة، أن يوفر إشارات مبكرة إلى أن متداولي السندات يتوقعون تغيرات كبيرة في السياسة النقدية.

وأخيرًا، ينبغي للمتداولين مراقبة شكل منحنى العائد عن كثب، إذ تُعد العلاقة بين عوائد سندات الخزانة قصيرة وطويلة الأجل تاريخيًا من أكثر المؤشرات موثوقية في رصد تحولات الأوضاع الاقتصادية. ورغم أن انعكاس منحنى العائد لا يتنبأ بحالات الركود بدقة مطلقة، فإنه غالبًا ما يشير إلى أن الأسواق تتوقع تباطؤ النمو مستقبلًا.

دليل عملي للمشاركين في برامج التداول المموَّل خلال فترات التضخم المنخفض

يمكن استخدام الإطار التالي كقائمة مراجعة عملية عند دخول الأسواق في فترة ممتدة من التضخم المنخفض. ومع ذلك، قبل تطبيق هذه الاستراتيجيات بأموال حقيقية، احرص على اختبارها أولًا ضمن برنامج للتداول المموَّل، مثل المسار الوظيفي للمتداول® والتحدي المكثّف™.

محور التركيزالنهج العملي
اختيار الأسواقأعطِ الأولوية للأسواق التي تشهد مشاركة مؤسسية مستمرة.
الاستراتيجيةاعتمد على تتبّع الاتجاه واقتناص فرص الدخول عند التراجعات السعرية، بدلًا من ملاحقة الاختراقات باستمرار.
إدارة المخاطرتجنّب زيادة حجم المركز لمجرد أن الأسواق تبدو أكثر هدوءًا، إذ قد تشهد الأسواق منخفضة التقلب انعكاسات مفاجئة رغم هدوئها.
وتيرة التداولتقبّل أن تقليل عدد الصفقات قد يحقق نتائج إجمالية أفضل.
متابعة الاقتصاد الكليتابع مؤشر أسعار المستهلك (CPI)، ومؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE)، وعوائد سندات الخزانة، والعقود المستقبلية للأموال الفيدرالية، وتوقعات التضخم، بدلًا من الاعتماد على العناوين الإخبارية وحدها.
العوامل النفسيةتجنّب التداول بدافع الملل. فالصبر غالبًا ما يكون النهج الأكثر فاعلية في بيئات السوق منخفضة التقلبات.

لعل أهم العادات هي الحفاظ على المرونة، إذ لا تدوم الأنظمة الاقتصادية إلى الأبد. فعلى سبيل المثال، اضطر المتداولون الذين حققوا أداءً جيدًا خلال سنوات التضخم المنخفض في العقد الثاني من الألفية إلى التكيف سريعًا عندما تسارع التضخم بعد الجائحة. وبالمثل، كان على المتداولين الذين اعتادوا أسواقًا تضخمية شديدة التقلب إعادة ضبط نهجهم مع عودة التضخم إلى الاستقرار.

الخلاصة: لا تخلط بين هدوء الأسواق وسهولة التداول فيها

نادرًا ما تمنح الأسواق منخفضة التضخم ذلك القدر من الإثارة الذي يجذب الكثيرين إلى التداول. فهي لا تتصدر العناوين اليومية بأخبار الارتفاع الجامح للأسعار أو الاجتماعات الطارئة للبنوك المركزية؛ بل غالبًا ما تبدو تحركات الأسعار أبطأ، وتنحسر التقلبات، وتصبح العوامل المحركة للأسواق أقل حدة.

لكن خلف هذا الهدوء، قد تزخر هذه البيئات بفرص استثنائية، وتحديدًا لأن كثيرًا من المشاركين في السوق يقلّلون من شأنها. وبينما يبحث المتداولون المتعجلون عن الإثارة، يتتبّع المتداولون المنضبطون الاتجاهات بهدوء، ويديرون المخاطر، ويتركون للاحتمالات المجال لتصبّ في صالحهم.

وخلاصة القول، لم يكن النجاح في التداول يومًا مرهونًا بالبحث عن الأسواق الأكثر صخبًا، بل بفهم السوق الذي تتداول فيه بالفعل. ففي بعض الأحيان، يتطلب الأمر الإبحار وسط العواصف، والاستجابة سريعًا لمفاجآت التضخم، وحماية رأس المال خلال فترات عدم اليقين الاستثنائي. وفي أحيان أخرى، يتطلب إدراك أن أقوى التيارات قد تجري تحت سطح المياه الهادئة.

يكتسب المتداولون المموَّلون الذين يتعلمون التمييز بين هذه البيئات إحدى أهم المهارات في عالم التداول: القدرة على التكيّف، فالأسواق لا تتوقف عن التغيّر.

Viktor Tachev

Viktor Tachev

فيكتور هو خبير مالي حاصل على درجة الماجستير في الأسواق المالية ويمتلك سنوات من الخبرة في مجال الاستثمار. أدواته المفضلة هي صناديق الاستثمار المتداولة، ولكنه يمتلك أيضًا محفظة متنوعة من العملات المشفرة. يحب فيكتور تجربة بناء تحليل البيانات ونماذج الاختبار الرجعي في موديل R. وتغطي خبرته جميع جوانب الصناعة المالية، حيث عمل كمستشار للمؤسسات المالية الكبيرة وشركات التكنولوجيا المالية والشركات الناشئة في صناعة البلوكتشين.

More from this author →

Join the Discussion

Share your thoughts. Your email stays private.